ولكن لماذا يا ضياء الدين بلال؟! / زهير السراج
For your copy-and-pasting pleasure.
* تناول الزميل (ضياء الدين بلال) فى مقاله الأخير جريمتى الاعتداء الجنسى (إغتصاب قاصرة، والتعدى باللمس على إمرأة)، اللتين وقعتا فى السودان والولايات المتحدة مؤخرا، الأولى ارتكبها رجل اعمال معروف، والثانية دبلوماسى سودانى يعمل فى بعثة السودان بالامم المتحدة أنقذته الحصانة الدبلوماسية من الاحتجاز والتحقيقيات القضائية!!
* وبالمناسبة، فإن الجرائم الجنسية مهما صغرت فى بلاد الغرب، فإنها تعد من الجرائم الكبرى التى لا يرحم فيها القانون، ولا تسقط بالتقادم، وينبذ المجتمع من يرتكبها، ولعلكم بعضكم يتابع هذه الأيام الفضيحة المدوية لمنتج الافلام الامريكية المعروف (هارفى واينشتاين) الحائز على جائزة الاوسكار فى الانتاج، بالاضافة الى فوز العديد من افلامه وبعض النجوم المشاركين فيها بنفس الجائزة الرفيعة سواء فى الاخراج او التصوير او التمثيل ..إلخ، ولقد اتهمته عدد من النجمات بارتكاب جرائم جنسية مختلفة ضدهن عندما كن فى بداية حياتهن العملية، الأمر الذى هيج عليها امريكا والعالم بأسره، وإمتلأت وسائط الصحافة الاجتماعية بملايين الادانات والانتقادات له، كما جمدت الاكاديميات الفنية المختلفة عضويته بها، وهى بصدد سحب الجوائز التى منحتها له، بانتظار نتائج التحقيق الذى شرعت فى اجرائه الاجهزة القانونية !!
* أذكر أن رجلا إنتهز فرصة تواجده، مع إمراة كانت تسير لوحدها فى زقاق مظلم بمدينة (تورنتو) الكندية، وقام بلمسها فى مؤخرتها وفر هاربا، فاشتكت المرأة للشرطة التى أصدرت نشر’ عاجلة باوصافه فى كل أجهزة الاعلام، وأخرجت اسطولا كبيرا من عربات الشرطة، يجوب كل انحاء المنطقة، بل وكامل مدينة تورنتو للعثور عليه، وظلت تفعل ذلك طيلة ثلاثة أيام الى أن ألقت القبض عليه، وقدمته الى القضاء!!
* اوردت هذين المثالين لاوضح مدى فداحة الجرائم الجنسية ــ مهما صغرت ــ فى تلك المجتمعات، وليس مثل مجتمعاتنا التى تتعامل معها باستسهال شديد، بل إنها تجرِّم الضحية فى أغلب الاحوال، الأمر الذى يحتاج الى وقفة كبيرة ومراجعة مجتمعية وقانونية .. وهو موضوع كبير، أرجو أن أعود إليه لاحقا إن شاء الله!!
* تناول الزميل (بلال) الجريمتين، وانتقد التناول الواسع لهما فى وسائل التواصل الاجتماعى، والمعلومات غير الحقيقية التى اضيفت لهما، وخرج بادانة للمجتمع بأنه (أصبح له نزوع خطير لتداول الفضائح المالية والجنسية بتلذذ وتصديق يقيني، دون تحقق أو إثبات)، وعرضة لتصديق الشائعات والمشاركة فى انتاجها، بدون أن يذكر الاسباب!!
* بغض النظر عن المثالين اللذين اوردهما (بلال) وصحة ما جاء فى حديثه عنهما، وهو موضوع آخر، ليس مجال حديثى اليوم، ولكننى اوافقه فى أن المجتمع أصبح هشا وقابلا للشائعات وانتاجها، وهو فى ذلك ضحية كغيره من الضحايا الكثيرين للتغيرات السالبة التى حدثت فى البلاد فى السنوات الثلاثين الاخيرة، ولقد ذكرت ذلك فى عدة مقالات من قبل!!
*واوردت كأمثلة على ذلك، الشائعة التى تدولها الناس قبل أشهر قليلة عن وجود عصابات تخطف المواطنين للمتاجرة بأعضائهم أو ما يماثل ذلك، رغم سذاجة وضحالة الفكرة، ووجود الملابسات التى تؤكد أن الجرائم التى نُسبت الى هذه العصابات، ليست سوى جرائم عادية أو خلافات أسرية أو ما شابه ذلك!!
* وكان من الغريب أن يشارك فى تداول تلك الشائعة وترويجها عدد هائل من المثقفين والمتعلمين تعليما رفيعا، لدرجة ان بعض الاطباء بثوا رسائل صوتية على وسائل التواصل الاجتماعى ونشروا مقالات فى مواقع إلكترونية، يسيرون فيها مع التيار الهادر ويقفون مع الشائعات بإعطائها مصداقية طبية باعتبار أن نزع الاعضاء والاحتفاظ بها الى حين استخدامها أمر سهل (بوضعها داخل إناء وتغطيتها بالثلج) ــ وقد يكون الأمر كذلك، ولكن ليس بمثل هذه السهولة والسذاجة التى رسموها فى رسائلهم الصوتية ومقالاتهم
* ومثال آخر، الشائعة التى تدوالها الناس فى نهاية تسعينيات القرن الماضى، عن وجود بعض الاشخاص الأجانب (من دول غرب أفريقية) لديهم المقدرة على نزع الرجولة (الفحولة) من الرجال بمجرد مصافحتهم، فملأ الهلع قلوب الكثيرين وامتنعوا عن مصافحة الأغراب، كما إمتلأت المستشفيات بالرجال الذين قصدوها لاستعادة (رجولتهم المنزوعة)، ولقد كنت شاهدا على إحدى الحالات!!
* إنتشار الشائعات بهذه السهولة ليس له سوى تفسير واحد، هو الهشاشة الشديدة التى صار عليها المجتمع، وتحوله الى بيئة خصبة لتلقى وانتاج واعادة انتاج وترويج الشائعات بسرعة وشغف، لدرجة ان أكثر الشائعات سذاجة صارت تجد اذنا صاغية من الجميع، بل يروج لها ويدعمها من الذين يفترض أن يكونوا خط الدفاع ضدها وغيرها من الأفكار الشاذة، ولكنهم بدلا عن ذلك شاركوا بفعالية فى إعادة انتاجها والترويج لها، وهو ما يعكس بجلاء شديد مدى الهشاشة التى وصل إليها المجتمع السودانى!!
* أما السبب، وهو ما لم يتطرق إليه (بلال)، فهو الانهيار الشديد فى كل مجالات الحياة، والضغوط الشديدة الواقعة على المجتمع، والتغييرات السلبية عميقة الاثر التى حدثت فيه بسبب فساد وسيطرة وتسلط النظام الحاكم، وقمع الرأى المستنير، مما ادى لفقدان الأمل فى المستقبل، وجعل المجتمع سهل الانقياد للخرافات والشائعات، والترويج لها واعادة انتاجها، وهو فى ذلك ضحية، كغيره من ضحايا النظام الحاكم الجاثم على الصدور منذ ثلاثين عاما، يستأثر بكل شئ، ويمارس أقصى انواع القمع النفسى والبدنى والفكرى على المواطن، فأصبح رخوا وقابلا لتصديق كل شئ، وميالا لتدوال الفضائح كانعكاس للهشاشة النفسية الشديدة التى يعانى منها، وكنوع من التعويض لملئ الفراغ العريض الذى يعيش فيه!!
manazzeer@yahoo.com
الجريدة الالكترونية


ليست هناك تعليقات